حلبة مصارعة الثيران بوهران (Les Arènes d’Oran): شاهد على التاريخ وتراث ثقافي فريد في قلب الجزائر
حلبة مصارعة الثيران بوهران , في قلب مدينة وهران العريقة، التي تزخر بالتاريخ والثقافات المتعددة، تقف تحفة معمارية فريدة تحمل في طياتها قصصاً من حقبات مختلفة، إنها حلبة مصارعة الثيران بوهران أو “Les Arènes d’Oran”. هذا المبنى التاريخي ليس مجرد هيكل إسمنتي، بل هو صفحة صامدة من كتاب تاريخ المدينة، وسجل حي للتأثيرات الثقافية التي شكلت هوية وهران على مر العقود. تُعد هذه الحلبة اليوم من أبرز معالم وهران السياحية، وتجذب الباحثين عن التراث العمراني والتاريخ الثقافي للجزائر.
تاريخانشاء الحلبة
يعود أصل فكرة إنشاء هذه الحلبة إلى عام 1890، حيث كانت رغبة ملحة من قبل الجالية الإسبانية الكبيرة التي استوطنت مدينة وهران بعد الاحتلال الفرنسي. أراد هؤلاء المستوطنون احياء ابرز تقاليدهم الاسبانية ، فكانت مصارعة الثيران أو “الكوريدا” أبرز هذه التقاليد.
تم بناء النسخة الأولى من الحلبة بالكامل من مادة الخشب، وهو ما جعلها تحمل طابعاً مؤقتاً. وبالفعل، لم يدم هذا الهيكل طويلاً، حيث التهمته ألسنة اللهب في حريق مهول دمره بالكامل، مما ترك فراغاً في المشهد الثقافي للمدينة. لكن إرادة الجالية الإسبانية كانت أقوى، فتم الشروع في إعادة بنائها من جديد، ولكن هذه المرة بهندسة معمارية أكثر رسوخاً وصلابة. في عام 1906، وُضعت حجارة الأساس لبناء التحفة الجديدة، لكي يتم تدشينها رسمياً في احتفال كبير يوم 14 جويلية من عام 1910، لتصبح معلماً خالداً في تاريخ وهران.
عبقرية التصميم المعماري وتفرد الهوية
تتميز حلبة مصارعة الثيران بوهران بأنها الوحيدة من نوعها على مستوى الجزائر وقارة إفريقيا بأكملها، مما يمنحها مكانة استثنائية. من الناحية الهندسية المعمارية، جاء تصميمها مستوحى بوضوح من أشهر حلبات الثيران في إسبانيا وفرنسا. فهي تتشابه في تفاصيلها الدقيقة مع حلبة “نيم” الشهيرة بفرنسا، وحلبة “لي كورون” و”موسيا” بإسبانيا.
التصميم الدائري، أو ما يعرف باللغة الإسبانية بـ “بلازا دي توروس” (Plaza de Toros) أي “قصر الثيران”، يتبع النمط الروماني-الإسباني الكلاسيكي. تتسع ساحتها لمساحة إجمالية تقدر بـ 4800 متر مربع، وتتميز بتدرج مقاعدها بشكل دائري يضمن إطلالة مثالية على الساحة المركزية. في البداية، كانت الحلبة تتسع لأربعة آلاف متفرج، ولكن مع ازدياد شعبيتها، قررت السلطات الاستعمارية توسيعها في عام 1954 لتصل طاقتها الاستيعابية إلى عشرة آلاف مقعد، لتصبح بذلك واحدة من أكبر الحلبات في منطقة شمال إفريقيا.
عصرها الذهبي: أكثر من مجرد مصارعة ثيران
لم تقتصر أنشطة الحلبة على مصارعة الثيران فقط، بل كانت مسرحاً لأهم الأحداث الرياضية والفنية في عصرها. كانت ساحتها تحتضن أروع العروض التي تجذب مختلف فئات المجتمع الوهراني.
-
مصارعة الثيران: شهدت الحلبة في أوج عزها أبطال المصارعة الإسبان المشهورين الذين كانوا يأتون من شبه الجزيرة الإيبيرية لإبهار الجمهور، أمثال “القرطبص” (El Cordobés) و”أورديناثيبي” (Ordóñez)، الذين أصبحت أسماهم مرادفة للشجاعة والمهارة في عالم الكوريدا.
-
الأحداث الرياضية: كانت الحلبة مضيفة لمباريات كرة القدم بنظام 6 لاعبين، بالإضافة إلى منافسات الملاكمة التي شهدت صعود نجوم محليين كبار أمثال البطل السابق لفرنسا هواري قوديح وممد خليفي، اللذين حملا اسم وهران عالياً. كما كانت ساحة لمباريات المصارعة الحرة (الكاتش)، حيث ظهر بها أبطال أسطوريون مثل “أونج بلون” (Ange Blanc) و”بورو دو بوتين” (Bourreau de Béthune).
صمت الحلبة: نهاية حقبة وبداية تحول
مع تغيرات الخريطة السياسية والاجتماعية، بدأت صفحات نشاط الحلبة تتوالى. توقف نشاط مصارعة الثيران لأول مرة عام 1936 مع اندلاع الثورة الإسبانية، ثم عاد لفترة، خصوصاً بعد التوسعة الكبيرة التي شهدها. لكن التوقف النهائي جاء عام 1960، مع تصاعد أحداث ثورة التحرير الجزائرية، حيث توقفت كل الأنشطة تقريباً، ودخلت الحلبة في صمت طويل، لتصبح مجرد شاهد صامت على حقبة من تاريخ المدينة انتهت إلى الأبد.
الخاتمة: إرث شاهد ومستقبل واعد
اليوم، تقف حلبة مصارعة الثيران بوهران (Les Arènes d’Oran) كأحد أهم مواقع التراث الثقافي في الجزائر. إنها ليست مجرد بناء، بل هي ذاكرة حية لتأثيرات ثقافية متعددة، ومسرح لتاريخ رياضي وفني غني. يمثلها الكثيرون كجزء لا يتجزأ من هوية مدينة وهران. ويظل الأمل معقوداً على إعادة إحياء هذا المعلم التاريخي، وتحويله إلى متحف أو مركز ثقافي وسياحي، ليستمر في سرد قصته للأجيال القادمة، وليبقى وجهة بارزة لكل من يبحث عن سياحة في وهران ويرغب في الغوص في أعماق تاريخها العريق.

اترك رد